ابن أبي الحديد
37
شرح نهج البلاغة
ونشرت الملائكة صحيفته ، فإن كان عادلا أنجاه الله بعدله ، وإن كان جائرا انتفض به الصراط حتى تتزايل مفاصله ، ثم يهوى إلى النار ، فيكون أول ما يتقيها به أنفه وحر وجهه " ، ولكني لما اجتمع رأيكم لم يسعني ترككم . ثم التفت عليه السلام يمينا وشمالا ، فقال ، ألا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار ، وفجروا الأنهار ، وركبوا الخيول الفارهة ، واتخذوا الوصائف الروقة ( 1 ) ، فصار ذلك عليهم عارا وشنارا ، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه ، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون ، فينقمون ذلك ، ويستنكرون ويقولون : حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا ! ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته ، فإن الفضل النير غدا عند الله ، وثوابه وأجره على الله ، وأيما رجل استجاب لله وللرسول ، فصدق ملتنا ، ودخل في ديننا ، واستقبل قبلتنا ، فقد استوجب حقوق الاسلام وحدوده ، فأنتم عباد الله ، والمال مال الله ، يقسم بينكم بالسوية ، لا فضل فيه لأحد على أحد ، وللمتقين عند الله غدا أحسن الجزاء ، وأفضل الثواب ، لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجرا ولا ثوابا ، وما عند الله خير للأبرار . وإذا كان غدا إن شاء الله فاغدوا علينا ، فإن عندنا مالا نقسمه فيكم ، ولا يتخلفن أحد منكم ، عربي ولا عجمي ، كان من أهل العطاء أو لم يكن ، إلا حضر ، إذا كان مسلما حرا . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ، ثم نزل . * * * قال شيخنا أبو جعفر : وكان ( 2 ) هذا أول ما أنكروه من كلامه عليه السلام ، وأورثهم الضغن عليه ، وكرهوا إعطاءه وقسمه بالسوية . فلما كان من الغد ، غدا وغدا الناس لقبض المال ، فقال لعبيد الله بن أبي رافع كاتبه : ابدأ بالمهاجرين فنادهم ، واعط كل رجل ممن
--> ( 1 ) الروقة الحسان . ( 2 ) د : فكان .